الحكيم الترمذي
50
كيفية السلوك إلى رب العالمين
قَرْيَةٌ آمَنَتْ [ يونس : 98 ] ، يريد بذلك أهل القرية . فكذلك القلب مضغة لحم والمراد ما فيها . وكذلك النفس ، والمراد ما في داخل الجسد من النار . والنفس اسم الجنس ، وجوهر بعضها أطيب من بعض ، وبعضها أخبث من بعض ، وأشدّ ظلما وأكثر فجورا ، وهي النفس الأمّارة ، والنفس طابت بنور ظاهر الإسلام من خبث ظاهر النفس ، وهي تزداد طيبا بصدق المجاهدة إذا قاربها توفيق اللّه تعالى . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في دعائه : « نعوذ باللّه من شرور أنفسنا » « 1 » فتعوّذ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع ما خصّه اللّه تعالى بأنواع من الكرامات وطهارة في النفس والنية . قال : « كان لي شيطان إلا أن اللّه تعالى أعانني عليه فأسلم » . « 2 » . والنفس جوهرها ريح حارة مثل الدخان ، ظلمانية سيئة المعاملة ، وروحها في الأصل نورانية ، وتزداد صلاحا بتوفيق اللّه تعالى مع حسن المعاملة وصحة التضرع ، ولا تزداد صلاحا إلا بمخالفة العبد هواها والإعراض عنها وقهرها بالجوع والشدائد . والنفس اللوّامة هي أقرب إلى الحق ، لكنها مخادعة مداهنة ، لا يعرفها إلا العارفون من الأكياس ، والنفس المطمئنة هي التي طهّرها اللّه من خبث الظلمات ، فصارت نورانية ، فشاكلت الروح ، تمشي في طاعة اللّه منقادة من غير إباء منها فصارت مطيعة بطاعة اللّه ، وهي نفس الصدّيق الذي ملأ اللّه سرّه وعلانيته . إنما شبهت هذه الأنوار بالجبال ، لأن نور الإسلام في صدر المسلم آكد وأحكم من أن يزيله أحد ما دام اللّه تعالى يحفظه ، حتى لا يتهيأ لأحد أن يزيل نور الإسلام من صدره . وربما لم يستقم المسلم على الطاعة ، وهو مع ذلك متمسك بالعروة الوثقى ، ولكنه لا ينجو من وسوسة النفس . وجبل نور الإيمان أرسى وأعظم وأرسخ وأثبت من نور الإسلام ، لأن للنفس ولاية وتكلفا في حفظ الإسلام واستعمال شرائعه ، وليس لها تكلف في حفظ القلب . ومثبّته نور الرب جل جلاله ، قال اللّه تعالى : يُثَبِّتُ اللَّهُ
--> ( 1 ) رواه البيهقي في السنن الكبرى ، باب كيف يستحب أن تكون الخطبة ، حديث رقم ( 5594 ) [ 3 / 215 ] وأبو يعلى في المسند عن عبد اللّه بن مسعود برقم ( 5257 ) [ 9 / 168 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب تحريش الشيطان . . ، حديث رقم ( 2814 ) [ 4 / 2167 ] والترمذي في السنن حديث رقم ( 1172 ) [ 3 / 475 ] ورواه غيرهما .